الكتاب : نبتة برية
الشاعرة : هدلا القصار
الناشر : دار الشروق ، عمان 2008
الفلسفة والحب عند ـ هدلا القصار ـ في ديوانها نبتة برية
قد يقرأ المرء آلاف القصائد والنصوص الأدبية منها الغث ومنها السمين ، وقد يستمتع بالقراءة ، أو يلقي بالكتاب جانبا ، أو يهمله بلا رجعة .. إلا أن ديوان نبتة برية يفتنك منذ البداية ، ويختلي بك ، لتتنزه في عوالم النفس الإنسانية والفلسفة ، ومكنونات الطبيعة ، وموقع الإنسان في النسيج الاجتماعي ، وحركة الحياة ، في صور من الفانتازيا إلى لغة الحكمة والشعر .. وإذا كان معيار الأدب هو : نسيج من الكلم خارج عن المألوف لدى الناس ؛ فنحن أمام ديوان شعر فريد في قصائده وصوره ، لشاعرة تمردت على اللغة .. وتمردت على كل ما هو مألوف ! فهي تقتحم القارئ لتحتل عقله وتفكيره .. وحيث أن الشاعرة ذهبت بعيدا عن المألوف ، فيحلو لنا تقديمها بعيدا عن مألوف النقد ومدارسه المعروفة ، مباشرة لقصائد الديوان :
الكلام أولا والقصيدة فيما بعد
تبدأ شاعرتنا ديوانها بالسؤال الرئيسي عن ماهية الشعر ، ولماذا يكتب ؟ فتؤكد لنا أن ( الشعر ) لا يقبل الكذب ، ولا يؤكد الحقيقة .. منذ اللحظة الأولى تبدأ بالأسئلة الفلسفية تمهيدا لحقيقة وجودها كشاعرة حائرة مندهشة متأملة ذاتها وكيمياء حركتها في هذا الكون :
العاقل يفكر ويكتب
ليكسر صور الحزن بالحقيقة
نفسي لا ترضى بمكانها تبقى
ولا ترضى أن تكتب الشعر وحدها
ماذا أفعل ؟
تتجلى هنا شاعرتنا بأسئلتها التأملية لتقارب شاعرنا الأممي محمود درويش عندما أجاب الأطباء حينما طالبوه بالابتعاد عن المنبهات ـ في ذاكرة للنسيان قائلا : الحمار هو الذي لا يشرب القهوة ولا يدخن ولا يكتب …
لم تتركني للتفكير وحدي
إذن سأسلك الطريق التي أريد
وأطلق الكلمات تحكم بين الخيال والحقيقة
فيه أنسج الحزن بالحقيقة
الشاعرة هنا توضح لنا أهمية الشعر والفن وتقرر أنها ستسيطر على القصيدة حتى آخر عمرها ؛ لأنها تعرف أن الشعر سيبقى ولن يموت … بالضبط كما أنشد الشاعر محمود درويش في جداريته : يا موت هزمتك الفنون جميعها ، يا موت هزمتك الأغاني ..
وهناك بين الأرواح والكلمات تكمن السعادة
لترعد أصابعي القصيدة
كأن الحياة ليست سوى حبل يشدنا للوراء والأمام
سأسيطر على القصيدة
حتى لو وضعت السنون على رأسي قبعة الشيب
نزهــة
نزهة الشاعرة هدلا القصار ليست نزهة ترفيهية ، بقدر ما هي نزهة في التفكير بعذاباتها ووحدتها وغربتها . إذن هي نزهة مع الذات حينما تحدد موعد سفرها إلى موطنها الأصلي لتلتقي الأهل والأحبة والأرض بكل تضاريسها ومناخها وما عليها من تراب وهواء وماء وشجر …
أتاني الحنين والشوق إلى بيروت
أصوات الأخوة تخاويني
وأنا أفكر
في هذه القصيدة يتجلى الزمان والمكان والهوية لدى شاعرتنا ، فهي إذن بيروتية الأصل غزية الوطن قدمت إلى غزة مع زوجها الفلسطيني لتعيش غربتها وعذاباتها مثل كل الغزيين الذين يرغبون بالسفر خارج غزة ( السجن ) وما يواجهونه من عذاب حالما يخرجون من بوابة غزة إلى أرض التيه في سيناء المنفذ الوحيد لها إلى العالم الخارجي :
أحتاج شهرا لتفتح بوابة غزة
أحتاج يوما لأصدق نفسي
أحتاج يوما لأحضر الشنطة
أحتاج يوما لأشتري البهجة
يوما لأشحذ البسمة
ويوما لألملم الشوق
ويوما لأصل المعبر
ويوما لأقطع الصحراء
ويوما لأتوه في أرض مصر،
أية نزهة حوارية هذه التي تمارسها الشاعرة مع ذاتها ؟ إنها تسافر مع كينونتها متوقعة كل ما سيحدث لها ، كأنها الحقيقة المؤكدة ساعة ركوبها الطائرة تعرف أنها بعد ساعة أو ساعتين ستصل بيروت وتكون بين الأهل .. كيف لها أن تقطع الشوق الذي يزداد متسارعا في هذه اللحظات ليصل الحنين ذروته :
وساعات لأقطع الشوق بين بيروت وغزة
يوما .. لأصدق أنني بين الأهل
كيف للشاعرة أن تختصر الزمن والمسافات في حوار مع النفس؟ كيف لها أن تروي ظمأها للقاء الأهل والوطن ؟ وماذا ستحتاج لكي تحقق ذلك ؟ وكأنها سافرت لهناك :
على الأقل
أحتاج شهرا لأقبل الأخوة
وشهرا لأفرغ الغربة
أحتاج عمرا لحضن أمي
شهرا لأرى بيروت والجبل
حنين إلى لبنان
مع أن شاعرتنا تعيش في غزة منذ أكثر من عقد ، إلا أن لبنان يعيش فيها لحظة بلحظة ، لا بل هي تعيش فيه .. مستبعدة غزة من كينونتها ، كيف لا ؟ وغزة مات فيها كل شيء .. مات الحب ، ومات الفن ، وانتصر فيها الموت ..! الشاعرة تتصدى لاغترابها المقيت بالاستحضار الدائم للبنان في مخيلتها :
أجلس كل يوم أذرر نهر اغترابي
داخل حدود ملعبي
لأفجر معاناتي المخبأة
…….
هنا تموت كل الأشياء حولي
كالمنازل التي لا تشرع نوافذها
كالمراكب التي لا تبحر
أحاول مقاومة الحياة
كالعشبة التي لا تموت
في قسوة غربتها مناجاة كبيرة لكل شيء في لبنان من التاريخ إلى الطبيعة إلى الأهل
تصرخ أشجار الأرز
ضميني بين أغصانك
وبين أوراقك خبئيني
وفي صفحات تاريخك ضعيني
وبين حروفك الفينيقية ابحثي عن غيابي
وتؤكد مرة أخرى أن غزة ليس بوطنها وأنها تعيش غربتها مع الشعر والمهدئات الدوائية
هنا لا السماء خيمتي
ولا الشوارع وطني
ولا الكواكب عائلتي
وليس الزمان مأمني
ولا الشواطئ مرفأي
……..
قبل أن تبتلعني أقراص الشعر المهدئة
نبتة برية
قلّما نجد شاعرا من الشعراء المعاصرين يتماهى مع الطبيعة كما تماهت شاعرتنا الرقيقة هدلا حين تنازلت عن كبريائها الأنثوي إلى عشبة في الطبيعة لتغوص متشابكة في الأدغال مرة مع الشجر ، وأخرى مع نباتات الأرض ..!
هدلا الشاعرة ذهبت بعيدا عن المألوف لتحاكي النباتات البرية ، والأشجار ..
أنسنة النباتات عرفناه من على شاشة التلفزيون في الأفلام الكرتونية عندما تقدم النباتات بشكل أناس يتحدثون … أما أنسنة النباتات في الحالات الشعرية يعتبر تصويرا جديدا لم نعهده عند الشعراء .. هنا انفردت هدلا الشاعرة في ( نبتة برية ) وسيقف النقاد ومتذوقو الشعر حائرين مندهشين لهذا التصوير الفريد والنادر ..
استطاعت شاعرتنا أن تكون نبتة برية تهرب من أكتاف الجدران تسرع وتسرع لتصل أشجار النخيل الشامخة .. تتوغل في عمق الغابة الكثيفة لتراقص أقدامها العشب ، ويعود العشب ليداعب أسرار الجسد .!؟
وصلتُ سلسلةَ أشجارِ النخيلِ الملتفةِ
توغلتُ في عمقِ الغابةِ،
راقصتْ قدماي العُشبَ
داعبَ العشبُ لغزَ الجسدِ وتنحى
احتضنتُ الأرضَ كالزهرةِ
شعّتِ السماءُ حولي كالنبتةِ.
حاول الشيطانُ إغواءَ خيالي
قـذفَ رِمشي الخطايا ورماها
معاناة الشاعرة المتمردة التي تعيش مغتربة في غزة دفع هدلا إلى الهروب من عالم الإنسان إلى عالم آخر .. لا تنتمي له ، وهو : عالم النبات ! هناك تحاور نفسها على أنها ( نبتة برية ) تنتمي إلى الأرض والشمس والماء والهواء …
ينتفض الجسد ليسأل عن اسمه ؟ يسأل الأزهار ، ويسأل النخيل ؟ لم يأتها الجواب مباشرة .. يعود يسألها ، فتجبه الأشواك بدلا عنه .. وتسأل من جديد : كيف علقت النبتة ( هدلا ) بأوراق الأشجار المتطايرة .. أو قدمت في رجل طائر مهاجر ( رمزية للرجل الذي قد يكون زوجها …؟ ) تهدأ لتنغرس في أرض جديدة !
مِنْ أين أتيتِ أيُّتُها النبتةُ؟!
كطائرٍ مهاجرٍ لحقتْ بأوراقِ الشجرِ المتطايرِ
هربتْ مني كالرياحِ امتدتِ الأرضُ وهدأتْ
أيّ روعة هذه الأسئلة ( الحوارية ـ السقراطية ) التي تقودنا بها هدلا الشاعرة ؟ كيف تتولد الأسئلة لديها بطريقة مسرحية حوارية عذبة تجذبنا إليها بقوة ؟!
ها هي ( النبتة البرية ـ متمثلة في الشاعرة ـ هدلا ) تعود إلى إنسانيتها حين تسمع ألحانا وموسيقى قديمة تصدر عن خشخشة الأشجار وحفيفها .. تعيدها إلى طفولتها ، لتؤكد من جديد أن الرياح أبعدتها عن موطنها إلى وطن آخر من نفس المناخ ونفس التراب .. لتردد بشكل غنائي ملحمي : أنا منكم .. أنا مثلكم .! مخاطبة وطنها الجديد الذي تشعر وسطه باغتراب شديد ..
أنا منكُم
أنا مثلكُم
أنا إليكُم آتٍ
أنا كشجرةِ النخيلِ تراها في كلِّ الأوطـانِ
وهي لِنفسِها وطنٌ
لكنّ الرياحَ أبعدتني
فَلَمْ أَعُدْ أرى وجوداً لوطني
حتـى أصبحتُ بريةَ النبتةِ
أنا منكُم
أنا مثلكُم
… إليكُم آتٍ
بعد رحلتها الطويلة بين الأشجار والأشواك تتنقل بين تضاريس الطبيعة الجميلة ، ومناخها المتغير .. تعود لتكتشف نفسها بين الجدران تحاور نفسها المعذبة وتعترف بإنسانيتها .. تهدأ نفسها المتمردة لتخلد إلى سرها وتقبل أن تنام في فراشها على أمل أن يأتي صباح جديد يخفف عنها ، أو يعود بها إلى رحلة جديدة !
قرأتْ في عيوني عن ماضٍ قــد ولى
سمعتُ همسَ الليلِ ينادي القمرَ
فانسحبَ النهارُ من جَفْني
وأتاني سلطانُ النومِ
فأهـديتُ سِرِّي لفراشِ الليل .
اعتذارات
عندما يكون النص مرآة الشاعر ! ويكون لوحة فنية أبعد من السوريالية ، وأقرب إلى محاكاة الذات ، وفلسفتها الوجودية لتدور حركتها مع الزمن والأشياء التي تكون الشاعر الإنسان ليتفاعل وسط كيمياء الحياة … كيف لهدلا الشاعرة أن تقدم اعتذاراتها لشيطان الشعر الذي أخرج لغز الكلمات ..؟
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ